الغزالي

140

إحياء علوم الدين

خلا قلبه عن الذكر في تلك اللحظة ، وكان أيضا نقصانا . فليجتهد في دفع ذلك ومهما دفع الوساوس كلها ورد النفس إلى هذه الكلمة ، جاءته الوساوس من هذه الكلمة . وأنها ما هي ، وما معنى قولنا الله ، ولأى معنى كان إلها وكان معبودا . ويعتريه عند ذلك خواطر تفتح عليه باب الفكر . وربما يرد عليه من وساوس الشيطان ما هو كفر وبدعة . ومهما كان كارها لذلك ، ومتشمرا لإماطته عن القلب ، لم يضره ذلك . وهي منقسمة إلى ما يعلم قطعا أن الله تعالى منزه عنه ، ولكن الشيطان يلقى ذلك في قلبه ، ويجريه على خاطره ، فشرطه أن لا يبالي به ، ويفزع إلى ذكر الله تعالى ، ويبتهل إليه ليدفعه عنه ، كما قال تعالى : * ( وإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ من الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِالله إِنَّه ُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) * « 1 » وقال تعالى * ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ من الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ) * « 2 » وإلى ما يشك فيه ، فينبغي أن يعرض ذلك على شيخه . بل كل ما يجد في قلبه من الأحوال ، من فترة أو نشاط ، أو التفات إلى علقة ، أو صدق في إرادة ، فينبغي أن يظهر ذلك لشيخه ، وأن يستره عن غيره ، فلا يطلع عليه أحدا ثم إن شيخه ينظر في حاله ، ويتأمل في ذكائه وكياسته . فلو علم أنه لو تركه وأمره بالفكر تنبه من نفسه على حقيقة الحق ، فينبغي أن يحيله على الفكر ، ويأمره بملازمته ، حتى يقذف في قلبه من النور ما يكشف له حقيقته . وإن علم أن ذلك مما لا يقوى عليه مثله ، رده إلى الاعتقاد القاطع ، بما يحتمله قلبه من وعظ وذكر ودليل قريب من فهمه . وينبغي أن يتأنق الشيخ ويتلطف به ، فإن هذه مهالك الطريق ومواضع أخطارها . فكم من مريد اشتغل بالرياضة ، فغلب عليه خيال فاسد لم يقو على كشفه . فانقطع عليه طريقه ، فاشتغل بالبطالة ، وسلك طريق الإباحة ، وذلك هو الهلاك العظيم . ومن تجرد للذكر ، ودفع العلائق الشاغلة عن قلبه ، لم يخل عن أمثال هذه الأفكار . فإنه قد ركب سفينة الخطر . فإن سلم كان من ملوك الدين ، وإن أخطأ كان من الهالكين . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم

--> « 1 » الأعراف : 200 « 2 » الأعراف : 201